محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
34
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
يحتاج إلى تحليل بصفته مجموعة من النصوص ، وذلك ضمن منظور تداخلية نصّانية واسعة للخطاب القرآني قبل ظهوره وبعد ظهوره في التاريخ الثقافي والديني . فالفلاسفة هم أيضا فسّروا مجازيا الخطاب القرآني ، ولكنهم عجزوا عن تقديم نظرية ملائمة للمجاز والكناية . وهذا النقص يشكّل فصلا طويلا آخر من فصول « المستحيل التفكير فيه » ، وبالتالي تراكم « اللامفكّر فيه » الناتج عنه في الفكر الإسلامي المعاصر . وسبب حصول هذا المستحيل التفكير فيه واللامفكر فيه هو إعطاء الأولوية الوجودية والسياسية لعلم اللاهوت والتشريع . منذ سنوات عديدة كنت أنا شخصيا قد خطّطت لكتابة دراسة أكاديمية معمّقة عن « التركيبة المجازية للخطاب القرآني » ، ولكني لم أجد الوقت الكافي بعد لإنجاز مشروع العمر هذا . يمكننا أن نسوق الملاحظات ذاتها عن التحليل السيميائي للخطاب القرآني . عندما دشّنت مدرسة باريس للدراسات السيميائية أثناء السبعينات والثمانينات مختبرا من أجل دراسة أديان الكتاب ، فإن الذين اهتموا بدراسة القرآن من الطلاب كانوا قلّة قليلة . وعندما أخذت المناقشة النظرية تعيد الاعتبار إلى الذات الإنسانية والدور الذي تلعبه في توليد المعنى ، وذلك ضد البنيوية التي كانت قد أعلنت عن « موت الإنسان » بعد « موت اللّه » ، فإن مثال القرآن قد أهمل أيضا . إن عودة الذات إلى الساحة قد ساهمت في تحبيذ انتشار التأملات الروحانية التجريدية ، ولكنها أبعدتنا عن التحليل الألسني بصفته مرحلة منهجية أولى وضرورية « * » . إنه يمثّل المرحلة الأولى التي لا بد منها قبل أن ننخرط في أي تفسير لكي نبلور القانون ، أو لكي نبلور لاهوتا دوغمائيا سوف يدعّم فيما بعد من قبل أي نظام سياسي راسخ . إنّي لا أزال مصرا على موقفي ، ولا أزال أقول بأن التحليل السيميائي ( أو العلاماتي الدلالي ) ينبغي أن يحظى بالأولوية وبخاصة عندما يتعلّق الأمر بالنصوص الدينية التأسيسية
--> * بمعنى أننا وقعنا في التطرّف المعاكس بعد انحسار البنيوية وانتقلنا من النقيض إلى النقيض : أي انتقلنا من الذات المسحوقة تحت وطأة الاكراهات والقيود ، إلى الذات المنفلتة أو المتحررة من كل الاكراهات والقيود . وهكذا استغرقنا في التأملات الروحانية التجريدية التي لا ضابط لها ، ونسينا المنهجية الصارمة التي تعلّمنا أن الذات ليست حرة إلى الدرجة التي نتوهمها . وبالتالي ، فينبغي أن نعود إلى منهجية العلوم الانسانية والمنهجية الألسنية التي تذكّر بالمشروطية اللغوية للنصّ ، حتى ولو كان نصّ الوحي . فهو مكتوب بلغة بشرية معيّنة وخاضع لاكراهاتها النحوية والصرفية واللفظية والبلاغية . كما أنه خاضع للاكراهات الاجتماعية أو السوسيولوجية للبيئة التي ظهر فيها . وهذا يعني أن البنيوية لم تنته بعد أن انحسرت موجتها الطاغية . بل إنه تبقّى منها خير ما فيها . وخير ما فيها قوانين العلوم الإنسانية التي توصلت إليها أو نضجت في فترتها : أي قوانين علم التاريخ ( مدرسة الحوليات ) ، وعلم الاجتماع ، وعلم الألسنيات ، والانتربولوجيا ، وتاريخ الأديان المقارن .